تلك الطفلة

كتبوا لي إنهم يريدونني أن أتكلم ، وكنت اتفقت معهم أن أقرأ وأمضي؛ ولهذا طلبت من تلك الطفلة الصغيرة أن تتكلم في اختصار بكلمتين فيما يشبه السيرة ، وعدت إلى قراءاتي وأوراقي. فإذا بها تفتشت خزانتي بحماس الصغار، وتقلب في خزانتي عما أخفيته بعيدا عن الأعين ، لتقرأ كل دفاتري وكتاباتي التي خططتها منذ أول قلم اشتريته وأول دفتر كتبت فيه. كنت أراقبها من بعيد، فلا وقت لدي لمحاسبتها وتبيان حدودها التي عليها أن لا تتجاوزها، فليس لدي سوى ساعات معدودة من فاتحة كل نهار للكتابة والقراءة، ولست مستعدة للتنازل عنها.

 

من خلف شاشة الكمبيوتر كنت أراها، تقرأ كل القصص التي نشرتها ولم انشرها منذ أن كنت طفلة، وتقلب في دفاتر الذكرى من كلمات طفولية خطت، وتزم شفتيها حين ترى بعض الوشاحات والملابس قد كتب عليها بخطوط مختلفة وألوان عدة، وحملت أسماء عدة لمن عرفتهم. نظرت إليّ بمكر فانزلقت بنظراتي من جديد وأخفيت وجهي خلف الشاشة. فهل أدركت أني حاولت مرارا أن أقبض على الزمن في سباق لم ينته أبدا، لكنني دسست كل آثاره في خزانة بعيدا عن الآخرين، ومحرمة عليهم فخزانتي هذه هي كل ما أملك، وأما كل شيء آخر فهو غبار. عبثت بكل الصور التي جمعتها والقصص. 

 

ثم من جديد جمعت قصصي كلها، تلك التي كان يمكن نشرها في مجموعات، وصفتها على جانب، وأخرجت كل مقالات ودراساتي التي كان من الممكن أن تنشر. فهناك ثلاث مجموعات قصصية لم تنشر في كتاب، وعدد كبير من مقالات لم ترَ النور أبدا، فقد تاهت عن طريق المطبعة. وبعد كل هذا التفتيش وجدت مجموعة قصصية واحدة  مطبوعة تضم قصة قديمة، وكتابين هما كل ما نشرت. غافلت تلك الطفلة ووضعت لها بعض الكتب، فصارت تقسم كتبي بينها وبيني، واستغرقت في قراءة كتاب لم أتبين اسمه ثم غفت. وهكذا أوقفتها بمكر وبأقل الخسائر، وهنا يمكن أن أبدأ القراءة.

2010 - present

2010 - present